حيدر حب الله

134

شمول الشريعة

إنّ هذا يعني أنّ ما تريده هذه النصوص هو أنّ القضايا الدينيّة المحتاج إليها موجودة في الكتاب والسنّة ، لا أن كلّ القضايا المحتاج إليها موجودة فيهما ، فإنّ أيّ مقاربة عقلانيّة لهذه النصوص سوف يدفعنا إمّا إلى تغيير تفسيرها وفهمه ضمن هذا السياق ، كما فهمنا في الحديث السابق ، أو إلى التشكيك بصدورها ، أو حملها على شيء من المبالغة ، وإلا فأين يمكن تقديم مقاربة عقلانية مقنعة لإثبات شيء من هذا القبيل ؟ ! طبعاً لابدّ لي أن أتوقّف هنا عند تحليل هذه الطريقة التي نقدّمها في المقاربة ، وذلك أنّها لا يمكن أن تكون مقبولة في الوسط الديني المدرسي ؛ لأنّ الفهم الديني المدرسي يقوم على الاكتفاء بوجود الدليل المخارِج للقضيّة بهدف إثباتها ، بينما الفهم الحداثي في القضايا الدينيّة يقوم على تحليل القضيّة المراد إثباتها بحيث يمكن أن تكون - بشريّاً - قابلة للفهم ، فعندما أقول بأنّ كلّ شيء في الكتاب والسنّة ، لوجود حديث يفيد هذا ؛ فإنّ المقاربة المدرسيّة تكتفي بهذا المقدار ، وتخضع للنصّ انطلاقاً من الإمكانات العقليّة المحضة للموضوع ، بينما المقاربة الحداثية لقضيّة من هذا النوع ، تذهب نحو مزيد من التعقيل ؛ لأنّها تتساءل مباشرةً : كيف يمكن أن يكون هذا النصّ شاملًا لكلّ القضايا التي يحتاجها البشر إلى يوم القيامة شمولًا تفصيليّاً حسب الفرض ؟ هل هذه القضيّة في حدّ نفسها معقولة ؟ وكيف ؟ والمقصود بمعقولية القضيّة ليس الإمكان المحض ، وإنّما وجود مشابهات لها أو مقاربات تجعلها قريبة للاستيعاب ، وخاضعة ضمن الإمكان الوقوعي بحسب الاصطلاح الفلسفي ، وإلا فسوف تصبح في عداد الغرائب التي يحتاج تصديقها للمزيد من الإثباتات القاطعة . هذا يعني أنّ الفهم الحديث يعتبر أنّ استيعاب القضيّة المستدلّ عليها هو جزءٌ من تعقيلها وإثباتها ، وأنّه لا يكفي للإثبات كونها ممكنة مع وجود دليلٍ من خارجها عليها ؛ ما دام الدليل نفسه يمكن افتراض تفسيره بأكثر من وجه . وفي المقابل تجد فهماً آخر لا يفرض تعقيل كلّ ما ثبت تعقيلًا تامّاً ، فكثير من الأمور في العلوم المختلفة تثبت دون أن يكون بمقدورنا تفسيرها ، خاصّة في العلوم الطبيعيّة ، فما هو المبرّر لإبطال قيمة دليلٍ إثباتيّ لمجرّد أنّ النتيجة التي يُثبتها هذا الدليل لا يمكننا بعدُ من فهم تماما حيثيّاتها وملابساتها ؟ ! 4 - كما توجد في الحديث إثارة يمكننا طرحها ، وهي أنّ الحديث يقول بأنّ رسول الله قد